محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
30
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الصواب له أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه فيقول : إن شاء اللّه ليخرج بذلك مما يلزمه في هذه الآية فيسقط عنه الحرج فأما الكفارة فلا تسقط بحال إلا أن يستثني متصلا بكلامه . ومن قال له ثنياه ولو بعد سنة أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون الكفارة . قال ابن الجوزي : فائدة الاستثناء خروج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه قال موسى عليه السّلام : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً [ سورة الكهف : الآية 69 ] ولم يصبر فسلم منه بالاستثناء . وفي المغني في الطلاق إن الحالف على الممتنع كاذب حانث ، واحتج بقوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ - إلى قوله : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ [ سورة النحل : الآية 38 - 39 ] . وقد قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا - إلى قوله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ سورة الحشر : الآية 11 ] . قال أبو جعفر النحاس نظيرها : يا لَيْتَنا نُرَدُّ [ سورة الأنعام : الآية 27 ] الآية قاله ردا على من قال بخلاف ذلك وقد قال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا [ سورة العنكبوت : الآية 12 ] . الآية ، وفي صحيح البخاري أن سعد بن عبادة قال يوم فتح مكة : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة . فأخبر أبو سفيان بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : " كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم اللّه فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة " " 1 " وروى مسلم عن جابر أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشكو حاطبا فقال : يا رسول اللّه ليدخلن حاطب النار فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرا والحديبية " " 2 " قال في شرح مسلم ، وفي هذا الحديث حديث حاطب يرد عليه ، وإن لفظ الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به سواء كان من ماض أو مستقبل ، وهذا قاله ابن قتيبة وأظنه احتج هو وغيره بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف " " 3 " فدل على أن إخلاف الوعد ليس بكذب وإلا لاقتصر على اللفظ الأول . ولقائل أن يقول هذا لا يمنع من كونه كذبا وهو من عطف الخاص على العام وإنما ذكر بلفظ خاص صريح لئلا يتوهم متوهم أنه ليس بكذب وأنه لم يدخل في اللفظ ثم غايته أن يدخل من طريق الظاهر ، وقد ثبت أنه كذب باستعمال الكتاب والسنة فوجب القول به ولا تعارض . وقال بعض أهل اللغة : لا يستعمل الكذب إلا في إخبار عن الماضي بخلاف ما هو به . وإذا قد تبين هذا فإذا أخبر عن وجود شيء يعلمه أو يظنه جاز وإن علم عدمه أو ظنه لم يجز وكذلك إن شك فيه لأن الشك لا يصلح مستندا للأخبار ، وسواء طابق الخارج مع الظن أو
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4280 ) . ( 2 ) مسلم ( 2195 ) . ( 3 ) متفق عليه من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري ( 33 ) ومسلم ( 59 ) .